السيد محمد الصدر

443

تاريخ الغيبة الصغرى

وإن ارتباط الأم بصغارها بالدرجة الأولى ، وارتباط الزوج بزوجته بالدرجة الثانية ، وهي زوجة لفترة معينة غالبا ، هذا الارتباط واضح في الأسر الحيوانية . وهو يدافع عن متعلقيه في صراعات فردية متفرقة ، كما يدافع أيضا عن غذائه ، ويهتم بعض الحيوانات به اهتماما خاصا ، كالنمل وغيره . ومهما يكن تفسير هذه التصرفات ، فهي واقع لا مناص منه في حياة الحيوان ؛ وقد اختلفوا في أنه ناتج عن مجرد الغريزة أو عن درجة من درجات الادراك ، أو هي مجرد رد فعل منعكس شرطي للمنبهات الطبيعية ، والدخول في تفاصيل ذلك يخرجنا عما نحن بصدده . ولكننا نقول باقتضاب : ان الصحيح هو الاحتمال الثاني ، وهو مجرد الادراك الضعيف لدى الحيوان ، لفشل النظريتين الأخريتين ، وعدم إمكان تفسير كل تصرفات الحيوان إلا بالادراك . أما نظرية الفعل المنعكس ، فلا تصح باعتبار أن عددا من تصرفات الحيوان معقدة إلى درجة لا يمكن انطباق هذا المجال الضيق عليها . كما أن احتمالات رد الفعل تجاه حادثة معينة قد تكون متعددة ، فلو ضربت كلبا أو قطة أو طيرا بحجر ، لم تستطع أن تتنبأ بالمكان الذي سوف يلجأ إليه . وهذا يدل على وجود درجة من الادراك و ( الحرية ) لديه ، بدرجة ما . كما أن الغريزة وحدها غير كافية للتفسير ، فإنها عبارة عن الحاجة ، وهي ليس لها أي إدراك لو بقيت وذاتها . وقد قيل : ان الغريزة لا عقل لها . ففراغ المعدة لا يدل صاحبها على ما يأكله ، ولا على أسلوب الأكل ، بل ولا يدله على أن هذا الألم يزول بملء المعدة . وجفاف الفم لا يدل صاحبه على ما يشربه ولا على مكان الشرب ولا حتى على زواله برطوبة الفم . إن كل هذه التفاصيل التي تقضي الحيوانات حاجاتها بها ، ناشئة من الادراك ، ولا معنى لنشئها من الغريزة ، باعتبارها حاجة جسدية صرفة . فلو بقيت بعض الحاجات خالية عن الادراك ، لقتلت صاحبها ، كالجوع والعطش . إذن ، فيتعين أن يكون قضاء الحيوانات لحاجاتها الضرورية ناشئا من إدراك ضعيف ، يكفيه لحفظ نفسه ، وربما لعلاقاته بأسرته وببيئته وبالآخرين من نوعه وغير نوعه . كل ما في الأمر أنه إدراك ضعيف ، وهو مختلف في الوضوح لدى الحيوان . ومن هنا يمكن القول : بأن أصوات الحيوان ، هي ( لغته ) التي يقضي بها حاجاته البسيطة ويحدد بها علاقاته مع الآخرين ويعبر بها عن عواطفه المختلفة . كل ما